
في يوم تعطفت السماء وأرسلت بركاتها على أرضنا العطشى ، مررت بجبل القرية ، الصخري ، المخيف الذي كلما مررت به تذكرت حياتي وقدرها ، هذا الجبل الذي يهابه الشجعان لشدته ووعورة طرقه ولتاريخه المليء بالأساطير .
جبل تسكنه أرواح البشر الذين حاولوا تسلقه، فلقوا نحبهم على أيدي الشياطين و نهشت أجسادهم الوحوش التي تسكن أعاليه !
هكذا قالت لي العجوز بائعة التمائم عند سفح الجبل ، انظر إلى تلك العظام ، ما هي إلا بقايا من حاول الوصول إلى قمته ، فوضعت لي تميمة في يدي ، وناولتها دينارا ، فابتسمت فظهر فعل السنين بأسنانها التي اختفت فقبّلت الدينار وقالت فليحفظك الرب يا بني !!
أبطأت الخطى وأنا ارفع بصري وأحدّق بقمته المخيفة وقطرات المطر تنهمر رغم ارتدائي للنظارات إلا إنها وجدت لها منفذا إلى عينيّ ، أجدني أبحث عن موطأ قدم بين الصخور لأصعد ولو متر أو مترين ، حاولت أول مرة لكن قدمي انزلقت وسقطت على ظهري ، تباََ ، الحمد لله لم يكن أحد من المارة هنا ، لأمسيت أضحوكة لأهل قريتنا مدى الحياة !!
نظرت أبحث مرة أخرى فوجدت على بعد خطوات ثغرة وضعت قدمي بها وبدأت ألتمس الطريق بكلتا يدي أضعهما على الصخور الحادة التي يحيط بها نبات شوكي بائس ويابس يبدو أنه لم يتذوق الماء قرونا فتحول إلى اللون الرمادي ، إلا أن النبات الذي استطاع أن يحفر جذوره في صخر الجبال جدير بالاحترام والحذر منه واجب وإلا طعنك برأسه المدبب طعنة لا يحمد عقباها !!
مجنون..قلتها لنفسي !! ماذا تريد أن تثبت لنفسك في هذا الوقت الماطر ؟ ما الذي دفعك لتسلق الجبل الرهيب ؟!!
هكذا أنت دائما ، متسرع ، وتتخذ قراراتك باندفاع دون تفكير ، والآن لا وقت للرجوع عن القرار فالنزول صعب والصعود أصعب !!
لا يهم ، ماذا جنينا من التفكير ؟! سواء فكرت بتأني أو بتسرع فالنتيجة واحدة عندي !!
بدأت أصابعي تؤلمني وبصماتي تعلمّ على الصخر ، والمطر آخذ بالتسارع ، نظرت تحتي فإذا بي قد قطعت مسافة لا بأس بها ، هيا هيا بإمكاني الصعود أكثر وأحس بالصخور تسخر مني فأكاد أسمعها تتهامس فيما بينها: من هذا الأحمق الذي يتسلقنا ؟ أشعر بها تقول إن لم تسقط الآن فستسقطك إحدانا قريبا يا مغفل !!
بدأ النصب مأخذه مني ، فكهل مثلي في أواسط الثلاثينات يعد عجوز في زمن الصواريخ والطائرات ، فلا حركة ولا نشاط ، تمنيت لو كنت في الثامنة عشر حيث النشاط والحيوية ولا هم لي غير دراستي ، وكرة القدم ، أيام ليتها تعود !!
ليتها ؟! واصل تحركك يا رجل فالدقيقة التي تمر لا تعود ، قالها وفي نفسه حسرة تكاد تقتله ، فوضع همه في التسلق مسرعا كي ينسى وهو يطأ كل صخرة كأنها ذكرى أليمة مرت على حياته يركلها بقوة بقدمه فتتدحرج إلى هوّة الوادي غير عابئ بها .
أنهكه التعب، فتوقف واستدار وجلس القرفصاء ينظر إلى الأسفل يرى قريته التعيسة تظهر من بعيد ، لم أظن أنني قطعت كل هذه المسافة !!
كاد يطير عقله وأحس بقلبه يضرب صدره يريد الخروج من بين أضلعه حين سمع صرخة مروعة خلف رأسه ، فإذا بغراب مر بجنبه يبحث عن ملجأ يقيه من قطرات المطر ، تباً أيها الكئيب كدت تقتلني ، لا إراديا حمل الحجارة ليرميها به ، إلا انه لم يفعل ، رق قلبه له وعرف أنه يبحث عن ملجأ يأوي إليه في الجو الماطر وهو من أحتل عش هذا المسكين ومرقده .
حسنا ، تحملني قليلا عندك ، كلها دقيقتين وأرحل عنك أيها الطائر الكئيب ، فلم يسقط على قريتنا مثل هذا المطر من قبل.
ترى لم وضعك الناس رمزا للشؤم ؟ هل بسبب صوتك أم بسبب لونك أم بسبب قبحك ؟!
لا تنظر إلي هكذا !! فهذا الوصف ليس من عندي بل حديث كل البشر على مر العصور، ليتك تجيبني، أتدري لمَ أريد الجواب ؟ لأن البعض ينعتني بالغراب أحيانا !
قدر عجيب أنا وأنت وجها لوجه بين الصخور وسط جبل القرية المخيف، سنرى من سينحس الثاني يا صديقي !!
ابتسم الرجل ولاحظ توقف المطر فانطلق مرة أخرى يتسلق الجبل ولسان حال الغراب يقول: الحمد لله الذي أبعدك عني أيها المعتوه !!
نظر إلى أسفل قدميه ليتبين المسافة التي قطعها ، يبدو أنها كبيرة ، فقد اختفت القرية عن ناظريه ولاحظ أن قرص الشمس الأصفر أخذ بتوديع هذا اليوم فانسحب متواريا خلف ماتبقى من الغيوم ، وأشعل السماء بلونه مخلّفاً وراءه الدخان ، شارف اليوم على الإنتهاء ، والى الآن لم أصل الى شيء ...!!
إلا أن العزيمة ما زالت في أوجها فأخذ بالتقدم أكثر وأكثر حتى وجد كوة في الصخر كأنها فتحة كهف صغير فقرر أن يستريح وهذه المرة لم يدخل إلا بعد أن تفحص المكان حتى لا يكون به ساكن آخر كالغراب !!
وبدأت تيارات الهواء الجبلي البارد تقتحم أضلعه فأجبرته على تحسس جيبه فأخرج علبة الثقاب أشعل به بعض من الحشائش والنباتات الشوكية الجافة لتدفئه وحتى تطرد عنه أي حيوان أو زاحف قريب ، وأخرج من الجيب العلوي لقميصه علبة الدخان سحب منها سيجارة أشعلها أو أشعل صدره بها ...سيّان عنده !!
الظلام سيمنعه من التقدم أكثر وقراره المفاجئ بتسلق الجبل حال دون الاستعداد بحمل الأدوات اللازمة لمثل هذه الرحلات فلا زاد ولا ماء وحتى مصباح !!
إلا أن الإرادة وربما الجنون دفعتاه للتقدم و الاستمرار لبلوغ هدفه ..
أخذ يتفحص الكهف الصغير ويحدث نفسه: ليست هناك مشكلة في الماء فالمطر الغزير وفّر لي الماء أما الطعام فلست بحاجة له الآن وقد أجد شيئا في رحلتي هذه يسد جوعي إن جعت ..المهم الوصول إلى القمة.
عنيد.... تؤنبه نفسه....هكذا نعتني والدي ووالدتي قبل وفاتهما ومن عرفني من أهل القرية...لا يهم...
هيا سأتقدم وسأستطلع الوضع بقرب هذا الكهف لعلي أجد موقع متقدم أفضل منه ، أطفأ سيجارته على عجل وتحرك مع بداية تخييم الظلام على المكان ، وأشعل عددا من ورق الشجر الجاف ليكون مشعلا له في الطريق وتحرك..
وهنا مر بطريق ضيق ذو صخور حوافها أشد حدّة وأكثر انحدارا ولمح بقايا لعظام نخرة متكسرة وقديمه متناثرة استندت على زاوية إلتقاء الصخر بجسد الجبل .
الصعود إلى الأعلى و المشي على الصخور المائلة بانحدار أمر صعب جدا ويضاعف الجهد بالمقارنة بالمشي على سطح مستو فما بالك بصخور غير مستوية تغطيها الحشائش والأشواك ويخيم عليها الظلام؟ !!
بدأ بمسح العرق المتساقط على زجاج النظارات ...
عرق ؟! رغم برودة الطقس أشعر بالحر ؟! يبدو أن الخوف أخذ شيئا فشيئا يعتريني ، فهذه العظام وسط الظلام لا تبشر بخير !!
ومع قطعه لمائة متر أخرى أخذت منه نصف ساعة من الوقت ومع انعدام الرؤية تقريبا بسبب الضباب الهابط والظلام الحالك وصل به الإرهاق مبلغه فاستند على الصخر يستريح قليلا فشاهد وميض خافت ، كأنه هلال غطته الغيوم بسبب الضباب ، وشاهد حركة للدخان أم حركة لهذا الوميض ، لم يتبين له أيهما الذي كان يتحرك ، فتحرك نحو هذا الوميض ، ألا يمكن أن يكون هذا الوميض تراقص لهيب الجان ، ألا يمكن أن يكون فخ منهم لاصطيادي؟!
ومما زاد هلعه حين كان يطأ الصخور ، داس على جسم كروي الشكل تهشم تحت قدميه فعندما قرّب شعلة الضوء وجدها جمجمة ونشبت أسنانها في حذائه ..
يا إلهي ..هرست جمجمة إنسان !!
ارتعدت فرائصه هذه المرة ، ولا سبيل إلى الهروب، فستواجه مصيرك الحتمي ولينفعك تمردك وثورتك على قوانين القرية.. ومع اقترابه شيئا فشيئا من الضوء تبين له جسم مكعب ، كأنه كوخ صغير أو خيمة ، الرؤية غير واضحة ، اقترب بهدوء وبدون إحداث أي جلبة أو صوت يلفت الانتباه ، مشى حتى وصل باب الكوخ فإذا بالباب ينفتح ويخرج منه جني عيناه تتلألآن كقدحين من النبيذ الأحمر وشعره منفوش كثغامة ..أبيض اللون وقف كأشواك الجبل، فصرخ الرجل صرخة خر بعدها مغشيا عليه !!
أيها الشاب ..أيها الشاب ..يشعر بمن يضرب خده ويهزه ، لعل هؤلاء الشياطين بدئوا اللعب بي ، ما العمل الآن فقد وقع الفأس في الرأس ولا مفر ...فوضع يده في جيب بنطاله يبحث عن التميمة التي أعطته إياها العجوز عند الجبل المنحوس لعلها تنقذه مما فيه...فإذا بالصوت يعود مرة أخرى...هيا أفق يا رجل...ماذا بك ؟!
ففتح عينيه بهدوء فإذا بهذا الجني مرة أخرى...فاستجمع مابه من قوة وأطلق صرخة عالية ضاع صداها بين جنبات الكوخ..فتلقى صفعة أحس بحرارتها على خده وأطلقت كل الأبواق والصافرات في أذنه اليسرى!!
لا تصرخ أنت بأمان... قال له الجني
مهلا يبدو أن هذا الجني ليس بجني ؟! أنت رجل مثلنا ولكنك عجوز ...!!
-نعم رجل عجوز وكدت أن توقف قلبي بتسللك الى بيتي وثم بصرختك الذي أيقضت بها الأموات .!!
-أموات أين هم ؟!
-لا يوجد أموات هنا يا غبي ولكنه تعبير
-والجماجم والعظام الملقاة على طول الطريق الى كوخك؟
-هذه جماجم لقردة ماتت منذ أبد بعيد نثرتها بنفسي على طول الطريق مع عظام الشياه والماعز التي آكلها ، صنعت ذلك حتى أخيف المتطفلين أمثالك فلا يصلوا إلي ويزعجوني في هذا الوقت من الليل...منذ أربعين عاما لم يزرني إنسان غريب سواك !!
-كيف ؟ هل هناك من يأتي إليك؟
-نعم كيف لي العيش وحيدا في هذا المكان يا ....
-غبي ...قلتها بدلا عنك...لكن من أنت ومن يأتي إليك
-يبدو عليك الإجهاد سأحضر لك ما تأكله لتشد به صلبك
-شكرا لكرمك ولكن رغم جوعي لا أريد أن آكل قرد
فنظر له العجوز نظرة ودّ لو كانت بيده هراوة يهوى بها على رأس هذا المتطفل الغبي
-وهل قيل لك أني أحد الوحوش الضارية حتى ألتهم قرد على العشاء ؟!...
قام الرجل فسكب له من القدر ملعقتين من الحساء الساخن...وقدمه له
-تفضل
-حساء
-نعم حساء ماذا توقعت ان احضر لك خلال نصف دقيقة ؟ خروف مشوي ؟! هذا الذي تبقى من حسائي الذي لم تدعني أهنئ به !!
-آسف جدا لم أقصد ذلك ، إنما السبب هذه الأساطير التي رويت عن الجبل والوحوش الكاسرة والعفاريت التي تسكنه دفعتني للاستكشاف والبحث ..و....و...بس
-فقط ؟! بل قل التطفل وحب الاستطلاع ، مالك ومالنا يا هذا...أربعون سنة وأنا أعيش بأمان هنا..
وقبل أن يتم كلامه فإذا بباب الكوخ ينفتح وتدخل العجوز بائعة التمائم !!
فتسمرت عينا المرأة العجوز على الشاب، بينما شد الرجل العجوز الباقي من شعره الأبيض
-أنتي ؟! بائعة التمائم ؟!
-زوجتي....أجاب الرجل عجوز...ونظر الى زوجته ما الذي أخرك ؟
-من أتى بهذا الشاب إلينا ؟!! قالت باستغراب شديد
-إنه النحس الذي اذا أصاب لم يخيب ..قال العجوز
-الذي أخرني ذهابي الى السوق لآتي بأغراض المنزل وثم السلالم التي تحتاج الى الصيانة
فوضع العجوز إصبعه على فمه يريد من زوجته أن تصمت ...ولكن بعد فوات الأوان....فقد لاحظ الشاب محاولة العجوز أخفاء أمر السلالم...
-سلالم ؟! أية سلالم ؟ استغرقت اثني عشرة ساعة للوصول إلى هنا وأنتي بهذا العمر تصلين بكامل صحتك وقوتك دون تعب ؟! ما الذي يحدث هنا اخبروني أرجوكم...صرخ بهم الشاب
-اجلس وأكمل حسائك وسأخبرك بكل شيء ، ولكن أولا عليك ان تقسم لي بأغلظ الأيمان أن لا تبوح لأحد بما سأخبرك به وإلا ألقيتك كجماجم القردة ..وبالطبع لن يأتي أحد للبحث عنك وستصبح أسطورة حقيقية هذه المرة!
-حسنٌ أعدك
جلس العجوز على السرير وطلب من زوجته أن تجهز له الغليون
-قبل أربعين سنة كنت بنفس عمرك تقريبا ، كنت بكامل نشاطي وقوتي إلا أنني لم أنجح في أي عمل عملت به ، فطبعي المتمرد لم يساعدني على البقاء في أي مهنة سوى لعدة أيام قلائل ، وقد سمعت عن أساطير الجبل هذا فقررت أن أكتشف سره
-أها نفسي اذن ؟! (قالها والابتسامة تعلو محياه)
نظر إليه العجوز بغضب لأنه قطع حديثه ولم ينسيه غضبه سوى الغليون الذي أخذه من يد زوجته بعد أن قبل يدها وأجلسها بقربه طرف السرير وأكمل حديثه..
-نعم مثلك !!... فلم أجد سوى ما وجدت أنت بالضبط ولكني أتيت في وضح النهار لا في ظلمة الليلة البهيم !!
(جعلت الشاب يطأطأ رأسه )
-وعندما وصلت الى هذا المكان وجدت رجلا عجوزا يعيش مع شابة يافعة جميلة ،ابنته
(فغطت المرأة العجوز وجهها خجلا)
-وعملت لديه في حقله وحضيرة الحيوانات الصغيرتين خلف هذا الكوخ بعد أن أقسمت له أن لا أكشف سره ، فكنا نربي الحيوانات ونزرع النبات ونبيعهم
-كيف ؟! ولا يوجد إلا مدخل ومخرج واحد للجبل ؟!
-مللت من وصمك بالغباء ...ألا تصمت قليلا حتى أكمل لك ؟!
-آسف..أكمل
-كان هناك طريق سري لا يعلمه إلا العجوز وابنته يؤدي الى الطريق العام فتأتي العربة لتأخذ البضاعة ان كانت فاكهه أو معز وتقايضه بالمال أو بأغراض يحتاجانها من ملبس أو مأكل وغيره ، فأحببت الحياة البسيطة والسهلة وبالطبع تزوجت الفتاة وفي الصباح سأريك قبر والدها الذي تكون قد مررت به دون أن تراه وسأريك الحضيرة وكل ما تريد رؤيته ومعرفته
-ولم تنجبا ؟!
-لا لم نرزق بأبناء ، (حضن العجوز التي بقربه وقبل رأسها وبادرته بابتسامة كلها حنان ورضا )..ولكن قلب هذه التي تراها طوال العقود الأربعة عوضني عن كل ما في دنياكم ، دنيا البغض والهم والحروب والدمار...عشنا معا بكل حب وود وساعدتني في منع المتطفلين أمثالك بجلوسها عند سفح الجبل تبيع التمائم ونشر الأساطير والخرافات
-إذن هذه كل الحكاية ببساطة ؟! ...يا الله ألوف القصص والحكايات عند موائد العشاء في القرية حول وحوش وعفاريت الجبل كانت من محض الخيال ...؟!
-هذه دنياكم ، دنيا الزيف والكذب ، استطعت أن أوظفهما فعشت بسلام سنين ، يا تفاهة عقولكم ، دنياكم تركتها لكم وهجرتها ..و حضيت بأفضل ما فيها ....نبضات قلب تحتويني .... ومنزل دافئ.
وقف الشاب ورفع رأسه الى سقف الكوخ ، فكأنما حقق ذاته بعد ان كشف سر الأحجية التي استترت مئات السنين ......وهم نحو باب الكوخ ثم توقف واستدار ونظر إلى العجوزين ...........وقال:
جبل تسكنه أرواح البشر الذين حاولوا تسلقه، فلقوا نحبهم على أيدي الشياطين و نهشت أجسادهم الوحوش التي تسكن أعاليه !
هكذا قالت لي العجوز بائعة التمائم عند سفح الجبل ، انظر إلى تلك العظام ، ما هي إلا بقايا من حاول الوصول إلى قمته ، فوضعت لي تميمة في يدي ، وناولتها دينارا ، فابتسمت فظهر فعل السنين بأسنانها التي اختفت فقبّلت الدينار وقالت فليحفظك الرب يا بني !!
أبطأت الخطى وأنا ارفع بصري وأحدّق بقمته المخيفة وقطرات المطر تنهمر رغم ارتدائي للنظارات إلا إنها وجدت لها منفذا إلى عينيّ ، أجدني أبحث عن موطأ قدم بين الصخور لأصعد ولو متر أو مترين ، حاولت أول مرة لكن قدمي انزلقت وسقطت على ظهري ، تباََ ، الحمد لله لم يكن أحد من المارة هنا ، لأمسيت أضحوكة لأهل قريتنا مدى الحياة !!
نظرت أبحث مرة أخرى فوجدت على بعد خطوات ثغرة وضعت قدمي بها وبدأت ألتمس الطريق بكلتا يدي أضعهما على الصخور الحادة التي يحيط بها نبات شوكي بائس ويابس يبدو أنه لم يتذوق الماء قرونا فتحول إلى اللون الرمادي ، إلا أن النبات الذي استطاع أن يحفر جذوره في صخر الجبال جدير بالاحترام والحذر منه واجب وإلا طعنك برأسه المدبب طعنة لا يحمد عقباها !!
مجنون..قلتها لنفسي !! ماذا تريد أن تثبت لنفسك في هذا الوقت الماطر ؟ ما الذي دفعك لتسلق الجبل الرهيب ؟!!
هكذا أنت دائما ، متسرع ، وتتخذ قراراتك باندفاع دون تفكير ، والآن لا وقت للرجوع عن القرار فالنزول صعب والصعود أصعب !!
لا يهم ، ماذا جنينا من التفكير ؟! سواء فكرت بتأني أو بتسرع فالنتيجة واحدة عندي !!
بدأت أصابعي تؤلمني وبصماتي تعلمّ على الصخر ، والمطر آخذ بالتسارع ، نظرت تحتي فإذا بي قد قطعت مسافة لا بأس بها ، هيا هيا بإمكاني الصعود أكثر وأحس بالصخور تسخر مني فأكاد أسمعها تتهامس فيما بينها: من هذا الأحمق الذي يتسلقنا ؟ أشعر بها تقول إن لم تسقط الآن فستسقطك إحدانا قريبا يا مغفل !!
بدأ النصب مأخذه مني ، فكهل مثلي في أواسط الثلاثينات يعد عجوز في زمن الصواريخ والطائرات ، فلا حركة ولا نشاط ، تمنيت لو كنت في الثامنة عشر حيث النشاط والحيوية ولا هم لي غير دراستي ، وكرة القدم ، أيام ليتها تعود !!
ليتها ؟! واصل تحركك يا رجل فالدقيقة التي تمر لا تعود ، قالها وفي نفسه حسرة تكاد تقتله ، فوضع همه في التسلق مسرعا كي ينسى وهو يطأ كل صخرة كأنها ذكرى أليمة مرت على حياته يركلها بقوة بقدمه فتتدحرج إلى هوّة الوادي غير عابئ بها .
أنهكه التعب، فتوقف واستدار وجلس القرفصاء ينظر إلى الأسفل يرى قريته التعيسة تظهر من بعيد ، لم أظن أنني قطعت كل هذه المسافة !!
كاد يطير عقله وأحس بقلبه يضرب صدره يريد الخروج من بين أضلعه حين سمع صرخة مروعة خلف رأسه ، فإذا بغراب مر بجنبه يبحث عن ملجأ يقيه من قطرات المطر ، تباً أيها الكئيب كدت تقتلني ، لا إراديا حمل الحجارة ليرميها به ، إلا انه لم يفعل ، رق قلبه له وعرف أنه يبحث عن ملجأ يأوي إليه في الجو الماطر وهو من أحتل عش هذا المسكين ومرقده .
حسنا ، تحملني قليلا عندك ، كلها دقيقتين وأرحل عنك أيها الطائر الكئيب ، فلم يسقط على قريتنا مثل هذا المطر من قبل.
ترى لم وضعك الناس رمزا للشؤم ؟ هل بسبب صوتك أم بسبب لونك أم بسبب قبحك ؟!
لا تنظر إلي هكذا !! فهذا الوصف ليس من عندي بل حديث كل البشر على مر العصور، ليتك تجيبني، أتدري لمَ أريد الجواب ؟ لأن البعض ينعتني بالغراب أحيانا !
قدر عجيب أنا وأنت وجها لوجه بين الصخور وسط جبل القرية المخيف، سنرى من سينحس الثاني يا صديقي !!
ابتسم الرجل ولاحظ توقف المطر فانطلق مرة أخرى يتسلق الجبل ولسان حال الغراب يقول: الحمد لله الذي أبعدك عني أيها المعتوه !!
نظر إلى أسفل قدميه ليتبين المسافة التي قطعها ، يبدو أنها كبيرة ، فقد اختفت القرية عن ناظريه ولاحظ أن قرص الشمس الأصفر أخذ بتوديع هذا اليوم فانسحب متواريا خلف ماتبقى من الغيوم ، وأشعل السماء بلونه مخلّفاً وراءه الدخان ، شارف اليوم على الإنتهاء ، والى الآن لم أصل الى شيء ...!!
إلا أن العزيمة ما زالت في أوجها فأخذ بالتقدم أكثر وأكثر حتى وجد كوة في الصخر كأنها فتحة كهف صغير فقرر أن يستريح وهذه المرة لم يدخل إلا بعد أن تفحص المكان حتى لا يكون به ساكن آخر كالغراب !!
وبدأت تيارات الهواء الجبلي البارد تقتحم أضلعه فأجبرته على تحسس جيبه فأخرج علبة الثقاب أشعل به بعض من الحشائش والنباتات الشوكية الجافة لتدفئه وحتى تطرد عنه أي حيوان أو زاحف قريب ، وأخرج من الجيب العلوي لقميصه علبة الدخان سحب منها سيجارة أشعلها أو أشعل صدره بها ...سيّان عنده !!
الظلام سيمنعه من التقدم أكثر وقراره المفاجئ بتسلق الجبل حال دون الاستعداد بحمل الأدوات اللازمة لمثل هذه الرحلات فلا زاد ولا ماء وحتى مصباح !!
إلا أن الإرادة وربما الجنون دفعتاه للتقدم و الاستمرار لبلوغ هدفه ..
أخذ يتفحص الكهف الصغير ويحدث نفسه: ليست هناك مشكلة في الماء فالمطر الغزير وفّر لي الماء أما الطعام فلست بحاجة له الآن وقد أجد شيئا في رحلتي هذه يسد جوعي إن جعت ..المهم الوصول إلى القمة.
عنيد.... تؤنبه نفسه....هكذا نعتني والدي ووالدتي قبل وفاتهما ومن عرفني من أهل القرية...لا يهم...
هيا سأتقدم وسأستطلع الوضع بقرب هذا الكهف لعلي أجد موقع متقدم أفضل منه ، أطفأ سيجارته على عجل وتحرك مع بداية تخييم الظلام على المكان ، وأشعل عددا من ورق الشجر الجاف ليكون مشعلا له في الطريق وتحرك..
وهنا مر بطريق ضيق ذو صخور حوافها أشد حدّة وأكثر انحدارا ولمح بقايا لعظام نخرة متكسرة وقديمه متناثرة استندت على زاوية إلتقاء الصخر بجسد الجبل .
الصعود إلى الأعلى و المشي على الصخور المائلة بانحدار أمر صعب جدا ويضاعف الجهد بالمقارنة بالمشي على سطح مستو فما بالك بصخور غير مستوية تغطيها الحشائش والأشواك ويخيم عليها الظلام؟ !!
بدأ بمسح العرق المتساقط على زجاج النظارات ...
عرق ؟! رغم برودة الطقس أشعر بالحر ؟! يبدو أن الخوف أخذ شيئا فشيئا يعتريني ، فهذه العظام وسط الظلام لا تبشر بخير !!
ومع قطعه لمائة متر أخرى أخذت منه نصف ساعة من الوقت ومع انعدام الرؤية تقريبا بسبب الضباب الهابط والظلام الحالك وصل به الإرهاق مبلغه فاستند على الصخر يستريح قليلا فشاهد وميض خافت ، كأنه هلال غطته الغيوم بسبب الضباب ، وشاهد حركة للدخان أم حركة لهذا الوميض ، لم يتبين له أيهما الذي كان يتحرك ، فتحرك نحو هذا الوميض ، ألا يمكن أن يكون هذا الوميض تراقص لهيب الجان ، ألا يمكن أن يكون فخ منهم لاصطيادي؟!
ومما زاد هلعه حين كان يطأ الصخور ، داس على جسم كروي الشكل تهشم تحت قدميه فعندما قرّب شعلة الضوء وجدها جمجمة ونشبت أسنانها في حذائه ..
يا إلهي ..هرست جمجمة إنسان !!
ارتعدت فرائصه هذه المرة ، ولا سبيل إلى الهروب، فستواجه مصيرك الحتمي ولينفعك تمردك وثورتك على قوانين القرية.. ومع اقترابه شيئا فشيئا من الضوء تبين له جسم مكعب ، كأنه كوخ صغير أو خيمة ، الرؤية غير واضحة ، اقترب بهدوء وبدون إحداث أي جلبة أو صوت يلفت الانتباه ، مشى حتى وصل باب الكوخ فإذا بالباب ينفتح ويخرج منه جني عيناه تتلألآن كقدحين من النبيذ الأحمر وشعره منفوش كثغامة ..أبيض اللون وقف كأشواك الجبل، فصرخ الرجل صرخة خر بعدها مغشيا عليه !!
أيها الشاب ..أيها الشاب ..يشعر بمن يضرب خده ويهزه ، لعل هؤلاء الشياطين بدئوا اللعب بي ، ما العمل الآن فقد وقع الفأس في الرأس ولا مفر ...فوضع يده في جيب بنطاله يبحث عن التميمة التي أعطته إياها العجوز عند الجبل المنحوس لعلها تنقذه مما فيه...فإذا بالصوت يعود مرة أخرى...هيا أفق يا رجل...ماذا بك ؟!
ففتح عينيه بهدوء فإذا بهذا الجني مرة أخرى...فاستجمع مابه من قوة وأطلق صرخة عالية ضاع صداها بين جنبات الكوخ..فتلقى صفعة أحس بحرارتها على خده وأطلقت كل الأبواق والصافرات في أذنه اليسرى!!
لا تصرخ أنت بأمان... قال له الجني
مهلا يبدو أن هذا الجني ليس بجني ؟! أنت رجل مثلنا ولكنك عجوز ...!!
-نعم رجل عجوز وكدت أن توقف قلبي بتسللك الى بيتي وثم بصرختك الذي أيقضت بها الأموات .!!
-أموات أين هم ؟!
-لا يوجد أموات هنا يا غبي ولكنه تعبير
-والجماجم والعظام الملقاة على طول الطريق الى كوخك؟
-هذه جماجم لقردة ماتت منذ أبد بعيد نثرتها بنفسي على طول الطريق مع عظام الشياه والماعز التي آكلها ، صنعت ذلك حتى أخيف المتطفلين أمثالك فلا يصلوا إلي ويزعجوني في هذا الوقت من الليل...منذ أربعين عاما لم يزرني إنسان غريب سواك !!
-كيف ؟ هل هناك من يأتي إليك؟
-نعم كيف لي العيش وحيدا في هذا المكان يا ....
-غبي ...قلتها بدلا عنك...لكن من أنت ومن يأتي إليك
-يبدو عليك الإجهاد سأحضر لك ما تأكله لتشد به صلبك
-شكرا لكرمك ولكن رغم جوعي لا أريد أن آكل قرد
فنظر له العجوز نظرة ودّ لو كانت بيده هراوة يهوى بها على رأس هذا المتطفل الغبي
-وهل قيل لك أني أحد الوحوش الضارية حتى ألتهم قرد على العشاء ؟!...
قام الرجل فسكب له من القدر ملعقتين من الحساء الساخن...وقدمه له
-تفضل
-حساء
-نعم حساء ماذا توقعت ان احضر لك خلال نصف دقيقة ؟ خروف مشوي ؟! هذا الذي تبقى من حسائي الذي لم تدعني أهنئ به !!
-آسف جدا لم أقصد ذلك ، إنما السبب هذه الأساطير التي رويت عن الجبل والوحوش الكاسرة والعفاريت التي تسكنه دفعتني للاستكشاف والبحث ..و....و...بس
-فقط ؟! بل قل التطفل وحب الاستطلاع ، مالك ومالنا يا هذا...أربعون سنة وأنا أعيش بأمان هنا..
وقبل أن يتم كلامه فإذا بباب الكوخ ينفتح وتدخل العجوز بائعة التمائم !!
فتسمرت عينا المرأة العجوز على الشاب، بينما شد الرجل العجوز الباقي من شعره الأبيض
-أنتي ؟! بائعة التمائم ؟!
-زوجتي....أجاب الرجل عجوز...ونظر الى زوجته ما الذي أخرك ؟
-من أتى بهذا الشاب إلينا ؟!! قالت باستغراب شديد
-إنه النحس الذي اذا أصاب لم يخيب ..قال العجوز
-الذي أخرني ذهابي الى السوق لآتي بأغراض المنزل وثم السلالم التي تحتاج الى الصيانة
فوضع العجوز إصبعه على فمه يريد من زوجته أن تصمت ...ولكن بعد فوات الأوان....فقد لاحظ الشاب محاولة العجوز أخفاء أمر السلالم...
-سلالم ؟! أية سلالم ؟ استغرقت اثني عشرة ساعة للوصول إلى هنا وأنتي بهذا العمر تصلين بكامل صحتك وقوتك دون تعب ؟! ما الذي يحدث هنا اخبروني أرجوكم...صرخ بهم الشاب
-اجلس وأكمل حسائك وسأخبرك بكل شيء ، ولكن أولا عليك ان تقسم لي بأغلظ الأيمان أن لا تبوح لأحد بما سأخبرك به وإلا ألقيتك كجماجم القردة ..وبالطبع لن يأتي أحد للبحث عنك وستصبح أسطورة حقيقية هذه المرة!
-حسنٌ أعدك
جلس العجوز على السرير وطلب من زوجته أن تجهز له الغليون
-قبل أربعين سنة كنت بنفس عمرك تقريبا ، كنت بكامل نشاطي وقوتي إلا أنني لم أنجح في أي عمل عملت به ، فطبعي المتمرد لم يساعدني على البقاء في أي مهنة سوى لعدة أيام قلائل ، وقد سمعت عن أساطير الجبل هذا فقررت أن أكتشف سره
-أها نفسي اذن ؟! (قالها والابتسامة تعلو محياه)
نظر إليه العجوز بغضب لأنه قطع حديثه ولم ينسيه غضبه سوى الغليون الذي أخذه من يد زوجته بعد أن قبل يدها وأجلسها بقربه طرف السرير وأكمل حديثه..
-نعم مثلك !!... فلم أجد سوى ما وجدت أنت بالضبط ولكني أتيت في وضح النهار لا في ظلمة الليلة البهيم !!
(جعلت الشاب يطأطأ رأسه )
-وعندما وصلت الى هذا المكان وجدت رجلا عجوزا يعيش مع شابة يافعة جميلة ،ابنته
(فغطت المرأة العجوز وجهها خجلا)
-وعملت لديه في حقله وحضيرة الحيوانات الصغيرتين خلف هذا الكوخ بعد أن أقسمت له أن لا أكشف سره ، فكنا نربي الحيوانات ونزرع النبات ونبيعهم
-كيف ؟! ولا يوجد إلا مدخل ومخرج واحد للجبل ؟!
-مللت من وصمك بالغباء ...ألا تصمت قليلا حتى أكمل لك ؟!
-آسف..أكمل
-كان هناك طريق سري لا يعلمه إلا العجوز وابنته يؤدي الى الطريق العام فتأتي العربة لتأخذ البضاعة ان كانت فاكهه أو معز وتقايضه بالمال أو بأغراض يحتاجانها من ملبس أو مأكل وغيره ، فأحببت الحياة البسيطة والسهلة وبالطبع تزوجت الفتاة وفي الصباح سأريك قبر والدها الذي تكون قد مررت به دون أن تراه وسأريك الحضيرة وكل ما تريد رؤيته ومعرفته
-ولم تنجبا ؟!
-لا لم نرزق بأبناء ، (حضن العجوز التي بقربه وقبل رأسها وبادرته بابتسامة كلها حنان ورضا )..ولكن قلب هذه التي تراها طوال العقود الأربعة عوضني عن كل ما في دنياكم ، دنيا البغض والهم والحروب والدمار...عشنا معا بكل حب وود وساعدتني في منع المتطفلين أمثالك بجلوسها عند سفح الجبل تبيع التمائم ونشر الأساطير والخرافات
-إذن هذه كل الحكاية ببساطة ؟! ...يا الله ألوف القصص والحكايات عند موائد العشاء في القرية حول وحوش وعفاريت الجبل كانت من محض الخيال ...؟!
-هذه دنياكم ، دنيا الزيف والكذب ، استطعت أن أوظفهما فعشت بسلام سنين ، يا تفاهة عقولكم ، دنياكم تركتها لكم وهجرتها ..و حضيت بأفضل ما فيها ....نبضات قلب تحتويني .... ومنزل دافئ.
وقف الشاب ورفع رأسه الى سقف الكوخ ، فكأنما حقق ذاته بعد ان كشف سر الأحجية التي استترت مئات السنين ......وهم نحو باب الكوخ ثم توقف واستدار ونظر إلى العجوزين ...........وقال:
هل تقبلان أن يكون لكما أبنٌ غبي يكمل معكما الأسطورة ؟!
(انتهى)
*بدأت كتابة قصة بائعة التمائم في أغسطس 2002 وانتهيت منها في أغسطس 2008 !!

